الشيخ محسن الأراكي
439
كتاب الخمس
وأمّا ما رواه بعض العامّة بشأن نزول الآية عن قتادة ، قال : اجتمع المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض : " أترون محمداً يسأل على ما يتعطاه أجراً ، فأنزل الله تعالى هذه الآية " « 1 » . فهي ضعيفة ، مع ظهور أمارة الكذب عليها وأنّها من الروايات الأموية التي اختلقها أعداء آل محمد ( ص ) لصرف الآية الدالة على فضلهم عنهم . وذلك لأنّ قتادة لم يدرك عصر رسول الله ( ص ) فلابد أن يكون قد سمع هذا الحديث من غيره أو اختلقه من نفسه . فإن كان قد اختلقه من عند نفسه - كما هو المحتمل الأقوى - فسقوط الرواية ظاهر ، وإن كان قد سمعه من غيره كان عليه أن يذكر من سمع منه الحديث لا أن يرسل الحديث إرسال المسلّم . مع وجود روايات كثيرة قوية معارضة لها كالتي رواها ابن عباس . مع أنّ لسان الآية لسان الخطاب المتوجه إلى المؤمنين الدال على كونه جواباً على سؤال مقدّر لهم حول الأجر الذي ينبغي أن يُعطى للرسول ، فيكون أنسب مع الرواية الأُولى . أمّا الرواية الثانية فلو صحت لكان الأنسب أن ترد الآية بضمير الغائب بأن تقول : " قل لا أسئلهم عليه أجراً " لتكون خطاباً للرسول يأمره بأن يُعلم المشركين أنّه لا يسئل المؤمنين أجراً على هدايتهم إلى الصراط المستقيم وإنقاذهم من العذاب الأليم . ومما يؤيد ما روي عن ابن عباس في شأن نزول الآية ، ما رواه القرطبي في ذيل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ عن ابن عباس أيضاً ، قال : " لما نزل قوله تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قال قوم في نفوسهم : ما يريد إلّا أن يحثنا على أقاربه من بعده . فأخبر جبرئيل النبي وأنّهم قد اتهموه فأنزل : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً . . . . " « 2 » الحديث .
--> ( 1 ) . المصدر السابق . ( 2 ) . تفسير القرطبي 18 : 16 .